ديوان المتنبي

مرتمياتٍ بنا إلى ابن عبيد

الله غيطانها وفدفدهـا

مرتميات صفة لمحذوفٍ في البيت الذي تقدم على تقدير في مفازة مثل بطن المجنّ مرتميات بنا وجمع لفظ المرتميات حملاً على لفظ الغيطان كما قال، أيا ليلةً خرس الدجاج طويلةً، ببغداد ما كادت عن الصبح تنجلي، والوجه أن يقال خرساء الدجاج ولكنه حمل الخرس على لفظ الدجاج حين كانت جمع دجاجة ويجوز أن يقدر المحذوف على لفظ الجمع فيصبح مرتميات كأنه قال في مغاوزٍ مثل ظهر المجن مرتميات بنا أي هذه المفاوز ترمينا إلى الممدوح بقطعنا أياها بالسير فكأنها تلقينا إليها وارتفع الغيطان والفدفد بالمرتميات كما قلنا في نضيجة فوق خلبها يدها والفدفد الأرض البعيدة الغليظة المرتفعة.

إلى فتًى يصدر الرماح وقد

أنهلها في القلوب موردها

إلى فتى بدلٌ من قوله إلى ابن عبيد الله وهو الممدوح يقول يصدر رماحه عن الحرب أي يرجعها ويردها وقد سقاها موضع ورودها في قلوب الأعداء دماءهم ويجوز أن يكون المورد بمعنى المصدر فيكون المعنى سقاها في القلوب ورودها أي أنها وردت قلوب الأعداء ومن روى بضم الميم أراد الممدوح أي هو الذي يوردها وهذا هو الأجود ليشاكل لفظ الاصدار.

له أيادٍ إليّ سـابـقةٌ

أُعدُّ منها ولا أعددها

يقول له احسان عليّ ونعم سابقة متقدّمة ماضية ويروى سالفةٌ وإلى من صلة معنى الأيادي لا من صلة لفظها لأنه يقال لك عندي يدٌ ولا يقال لك إيّ يدٌ ولكن لما كان معنى الايادي الإحسان وصلها بإلى ويجوز أن يكون من صلة السبق أو السلوف قُدّم عليه وقوله أعد منها قال أبو الفتح أي أنا أحدها قال الجماز، لا تنتفني بعد أن رشتني، فإنني بعض أياديكا، ثم قال يريد أنه قد وهب له نفسه وهذا فاسدٌ لأنه ليس في البيت ما يدل على أنه خلصه من ورطة وأنقذه من بلية أو أعفاه عن قصاصٍ وجب عليه ولكنه يقول أنا غذيّ نعمته وربيب إحسانه فنفسي من جملة نعمه فإنا أعدّ منها ومن روى أعدّ منها كان المعنى أنه يعد بعض أياديه ولا يأتي على جميعها بالعد لكثرتها وهو قوله ولا أعددها وكان هذا من قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي لا تعدوا جميعها من قوله تعالى وأحصى كل شيءٍ عددا

يُعطى فلا مطلهُ يكدرها

به ولا منه ينكـدهـا

تقدير معنى البيت يعطى فلا مطله بالايادي يكدرها أي أنه لا يمطل إذا وعد الاحسان ولا يمن بما يعطى وينكده أي ينغصه ويقلل خيره وكان يقال المنة تهدم الصنيعة ولهذا مدح الله سبحانه قوما فقال تعالى ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى وقال الشاعر، أفسدتَ المنِّ ما قدمت من حسنٍ، ليس الكريم إذا أعطى بمنانِ،

خير قريشٍ أبا وأمجدها

أكثرها نائلاً وأجودها

يعني أن أباه أفضل قريش فهو خيرهم أبا لأنه ليس فيهم أحدٌ أبوه أفضل من أبي الممدوح وقريش اسم للقبيلة ولذلك كنى عنها بالتأنيث والنائل العطاء وأجودها يجوز أن يكون مبالغةً من الجود والجود الذي هو المطر والجودة أيضا.

أطعنها بالقناةِ أضـربـهـا

بالسيف جحجاحها مسودها

ذكر القناة والسيف تأكيدا للكلام مع الطعن والضرب كما يقال مشيت برجلي وكلمته بفمي أو لأن الطعن والضرب يستعملان فيما لا يكون بالسيف والرمح كقولهم طعن في السن وضرب في الأرض والجحجاح السيد والمسود الذي قد سوده قومه

أفرسها فارساً وأطولهـا

باعاً ومغوارها وسيدها

أي هو افرسها إذا ركب فرسه وكان فارسا وأكد الكلام بذكر الحال لأن أفرس يكون من الفرس والفراسة وطول الباع مما يمدح به الكرام ويقال فلانٌ طويلُ الباع إذا امتدت يده بالكرم ويقال للئيم ضيق الباع والمغوار الكثير الغارة.

تاج لويِّ بنِ غالبٍ وبـه

سما لها فرعها ومحتدها

لوي بن غالب أبو قريش هو لهم بمنزلة التاج به يتشرفون ويتزينون وبه علا فروعهم وأصولهم أي الأولاد والأباء والمحتد الأصل.

شمسُ ضحاها هلالُ ليلتها

درُّ تقاصيرها زبرجدها

أي هو فيما بينهم كالشمس في النهار والهلال في الليل والدر والزبرجد في القلادة أي هو أفضلهم وأشهرهم وبه زينتهم وفخرهم والتقاصير جمع تقاصر وقال ابن جنى هو القلادة القصيرة وليس هذا من القصر إنما هو من القصرة وهي أصل العنق والتقصار ما يعلق على القصرة.

يا ليتَ بي ضربةً أُتيح لها

كما أُتيحت له محمدها

كان هذا العلويّ قد أصابته ضربة على الوجه في بعض الحروب فقال ليت الضربة التي قدر لها محمدها يعني الممدوح كما قدرت الضربة له كانت بي أي ليتني فديته من تلك الضربة فوقعت بي دونه ويجوز أن يكون الممدوح أتاح وجهه للضربة حيث أقبل إلى الحرب وثبت حتى جرح فتمنى المتنبي رتبته في الشجاعة كأنه قال ليتني في رتبتك من الشجاعة والاناحة التقدير يقال اتاح الله له كذا أي قدر وأضاف محمدا إلى الضربة شارةً إلى أنها كسبته الحمدَ فأكثرت حتى صار هو محمد بها.

أثر فيها وفي الحديد وما

أثرَ في وجههِ مهندها

قصد السيف والضربة إزهاق روحه وإهلاكه وقد ردهما عن قصدهما فهو تأثيره فيهما فقوله وما أثر في وجهه مهندها أي ما شأنه فلا أثر تأثيرا قبيحا لأن الضربة على الوجه شعارُ المقدام والعرب يفتخرون بالضربة في الوجه ألا ترى إلى قول الحصين، ولسنا على الأعقاب تدمي كلومنا، ولكن على أقدامنا تقطر الدما، والطعن والضرب في الظهر عندهم مسبة وفضيحة ولذلك قال جابر بن رالان، ولكنما يخزى أمرءٌ يكلم أسته، فتا قومِهِ إذا الرماحُ هوينا، والتهنيد شحذ الحديد سيف مهند أي مشحوذ.

فاغتبطت إذ رأت تزينها

بمثلهِ والجراح تحسدها

يقول اغتبطت الضربة لما رأت تزينها بالممدوح حين حصلت على وجهه وحسدتها الجراح لأنها لم تصادف شرف محلّها والاغتباط يكون لازما ومتعديا ومعنى بمثله به والمثل صلةٌ تقول مثلي لا يفعل هذا أي أنا لا أفعله قال الشاعر، يا عاذلي دعني من عذلكما، مثلي لا يقبل من مثلكما، معناه أنا لا أقبل منك ومن هذا قوله تعالى ليس كمثله شيء

 

(Visited 6 times, 1 visits today)