الشعر

الشعر
حمل خليل مطران، منذ وقت مبكر، لقب شاعر القطرين. ثم صار يلقب، إلى جانب لقبه هذا، بشاعر الأقطار العربية. لكنه لم يرتق إلى موقع الإمارة فى الشعر،
لأن تلك الإمارة كانت قد أعطيت لأحمد شوقي. ولم تأت تلك الإمارة إلى شوقي، تقديراً للقيمة الكبيرة لشعره، وحسب. بل هى أعطيت له لأسباب أخري، سياسية وغير سياسية. غير أن إمارة شوقى للشعر، ورئاسته لجمعية “أبولو” الشعرية، لم تسدا على الكبار من شعراء ذلك العصر الطريق إلى المجد الشعري. بل إن بعضهم تساوى فى القيمة الشعرية مع شوقي. وبعضهم فاقه رفعة فى نظر بعض كبار النقاد، وفى مقدمتهم طه حسين، الذى قال فى خليل مطران يوم وفاته: “لقد عرفت مطراناً وكنت معجباً بشعره، مؤثراً له على شعر المعاصرين جميعاً فى الأقطار العربية كلها. ولم أستثن منهم واحداً. ولن أستثنى منهم أحداً. وكنت أسمع لشعره ولشعر حافظ وشوقي، فأوثر شعر مطران فى وجه حافظ وشوقي. لا أحتاط إلا فى ديباجته التى كنت أراها مقصرة عن معانيه بعض التقصير. وكان حافظ وشوقى يسمعان ولا ينكران، أو لا تنكر ألسنتهما على كل حال. وكنت أزعم لهما جميعاً أن مطران فى المحدثين كأبى تمام فى العصر القديم، وأنهما وغيرهما من الشعراء يعيشون حول مطران، كما كان شعراء الشام والعراق يعيشون حول أبى تمام”. (نص منقول من كتاب جورج غانم “شعراء وآراء”).
لكن لشاعرنا رأياً يقيّم فيه شعره، ويرد على الذين يعتبرون شعره خارج التوصيف الذى يدعى فيه بأنه شعر عصري. يقول مطران فى مقدمة ديوانه، مخاطباً أولئك الذين ينتقدونه: “… فيا هؤلاء! نعم هذا شعر عصري. وفخره أنه عصري. وله على سابق الشعر مزية زمانه على سالف الدهر… هذا شعر ليس ناظمه بعبده. ولا تحمله ضرورات الوزن والقافية على غير قصده. يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد، ولو أنكر جاره وشاتم أخاه ودابر المطلع وقاطع المقطع وخالف الختام. بل ينظر إلى جمال البيت فى ذاته وفى موضعه، وإلى جملة القصيدة فى تركيبها وفى ترتيبها وفى تناسق معانيها وتوافقها، مع ندور التصور وغرابة الموضوع ومطابقة كل ذلك للحقيقة وشفوفه عن الشعور الحر وتحرى دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر… على أننى أصرح غير هائب، أن شعر هذه الطريقة – ولا أعنى منظوماتى الضعيفة ــ هو شعر المستقبل لأنه شعر الحياة والحقيقة والخيال معاً… ثم إننى لم أخل إلى الآن شعرى من كل ما خالفت فيه السابقين بسيرى على هذه الطريقة الفطرية الصحيحة. ولكننى أرجو أن أقدم على ذلك فى المستقبل إن كان فى الأجل فسحة… هذا شعرى وفيه كل شعورى، هو شعر الحياة والحقيقة والخيال… أتابع السابقين فى الاحتفاظ بأصول اللغة، وعدم التفريط فيها، واستيحاء الفطرة الصحيحة. وأتوسع فى مذاهب البيان مجاراة لما اقتضاه العصر، كما فعل العرب من قبلى .. أما الأمنية الكبرى التى كانت تجيش بي، فهى أن أدخل كل جديد فى شعرنا بحيث لا ينكره…”.
وكان من بين كبار شعراء ذلك العصر، إلى جانب شوقى وخليل مطران، كل من: حافظ ابراهيم شاعر النيل، ومحمود سامى البارودى شاعر الثورة العرابية، ومحمد مهدى الجواهرى ومعروف الرصافى وجميل صدقى الزهاوى وبدوى الجبل والأخطل الصغير وسعيد عقل وعمر أبو ريشة وكبار آخرون، تعددت أنماط شعرهم، واحتلوا، واحتلت معهم أشعارهم، مكاناً مميزاً فى مملكة الشعر العربى الحديث.
كتب الكثير عن خليل مطران. وتعددت الآراء فى شعره. لكن النقاد أجمعوا على تقييم شعره، حتى وهم يميزون بين نمط من شعره، ونمط آخر. فيمجدون واحداً هنا، ويعيبون عليه نمطاً آخر. لكن الإختلاف كان كبيراً بين ناقد وآخر، حتى فى هذا النوع من التمييز بين نمط وآخر، أى بين الشعر الذى يمجد فيه مطران الحرية ويلعن الطغاة، على سبيل المثال، وبين الشعر الذى يتصل بالمناسبات مدحاً وهجاء ورثاء، على سبيل المثال أيضاً. لكن مطران ذاته لم يكن يولى اهتماماً كبيراً بهذا النوع من التمييز بين نمط وآخر فى شعره، إذ كان يعتبر أنه فى كل ما كتب من شعر، أية كانت المناسبة أو القضية أو الفكرة أو الصورة أوالحالة الشعرية، إنما كان يعبر عن ذاته وعن أفكاره وعن هواجسه، بلغته الشعرية ذاتها التى تنوعت أشكالاً وصيغاً. وكان يجهد لكى يكون مجدداً فى الشعر، من دون أن يفقد علاقته بقديم الشعرالمنسوب إلى الكلاسيكية. وقد اعتمد فى خياراته الشعرية، قضايا ومواضيع وأفكاراً وصوراً، على ثقافته التى اتسع أفقها، وتنوعت ميادينها، وتعددت مصادرها.
لنتعرف أولاً إلى الشاعر فى الظرف التاريخي، وفى المكان الجغرافي، وفى الوسط العائلي، التى ولد فيها ونشأ وتكونت الملامح الأولى لشخصيته. ثم نتابع، بعد ذلك، تطور شخصيته الشعرية والثقافية، وارتقاء موقعه إلى المستوى الذى جعله أحد كبار شعراء عصره فى العالم العربي، فى النصف الأول من القرن العشرين.
ولد خليل مطران فى عام 1868 ، فى مدينة بعلبك الملقبة بمدينة الشمس، الواقعة فى القسم الشمالى من منطقة البقاع اللبنانية، غير بعيد من سفوح السلسلة الشرقية من جبال لبنان التى يطل منها هذا البلد العربى على سوريا، جارته وشقيقته ورفيقة دربه فى التاريخ القديم والحديث. أبوه هو عبده يوسف مطران. وكان تاجراً ميسوراً. وكان مثقفاً أيضاً. وكان معروفاً فى المدينة بأنه حفظ عن ظهر قلب أشعار ابن الفارض الصوفية. أما والدة خليل فهى ملكة صباغ، الفلسطينية الأصل. وكانت معروفة بنظم الشعر فى المناسبات. وقد ترك هذا البيت الثقافى تأثيره المباشر على خليل منذ البدايات. بدأ دراسته فى مسقط رأسه بعلبك لمدة سنة واحدة. انتقل بعدها إلى مدينة زحلة ليتابع دراسته الإبتدائية فى إحدى مدارسها. وكانت تجربته فى زحلة تجربة فاشلة. إذ قضى فترة الدراسة فى اللهو والعبث والتمرد. وهو يصف فترة لهوه وعبثه وتمرده تلك بالأبيات التالية:
إنى لأذكر زحلة وأنا ولد لعوب بين أولاد
متعلم فيها الهجاء ولى نزق فلا أصغى لإرشاد
كل يعد الدرس مجتهداً وأنا بلا درس وأعداد
تابع خليل الطفل دراسته بعد زحلة فى “معهد البطريركية” فى بيروت حتى عام 1887. وكان قد بدأ ينضح ويتخلى عن طيشه، من دون أن يفقد جذوة التمرد عنده. أتقن فى هذا المعهد، على يد اليازجيين ابراهيم وخليل، أصول اللغة العربية. كما أتقن اللغة الفرنسية. لكنه بدأ يكتب باللغة الفرنسية قبل العربية. ثم بدأ يكتب باللغتين. وساعدته معرفته بأصول اللغة العربية وبآدابها وأدبائها عبر العصور على الدخول فى امتحان موهبته فى كتابة الشعر. وكان من بين جذور تلك المعرفة ما كان قد تعلمه من أبيه فى قراءة وحفظ الأشعار الصوفية لابن الفارض. ثم ثابر على محاولاته فى كتابة الشعر. وبدأ ينشر قصائده الأولى فى جريدة “لسان الحال”، التى كان قد أسسها خليل سركيس فى عام 1884، واستمرت فى الصدور حتى عام 1915. ولم يكد ينهى خليل دراسته فى «معهد البطريركية» حتى اختارته إدارة المعهد لممارسة تدريس اللغة العربية فيها. وتشير سيرة خليل مطران فى مرحلة النضوج إلى أنه تابع تمرده المبكر، متأثراً بما كان عليه حال أستاذيه اليازجيين، اللذين عرفا بثورتهما الثقافية والسياسية. واتخذت ثورته على الطغيان والظلم طابع الإحتجاج على سياسة السلطان عبد الحميد، الذى ما أن صعد إلى موقع القرار الأول فى السلطنة العثمانية حتى بدأ يمارس استبداده. فكمّ الأفواه، وأقفل الصحافة، وزج بالأحرار فى السجون.
فى صيف عام 1890 سافر خليل مطران إلى باريس. وهناك تابع نضاله ضد سياسة السلطان عبد الحميد. وانضم إلى حزب “تركيا الفتاة”، المعارض للسلطان. إلا أنه واجه فى باريس خلال العامين اللذين قضاهما فيها ضغوطاً من قبل سفارة السلطنة فى العاصمة الفرنسية. وعندما وجهت إليه السلطات الفرنسية الإنذار بإيقاف نشاطه غادر باريس إلى مصر، حاملاً معه زاداً كبيراً من الأدب الفرنسي، ومن الثقافة الفرنسية عموماً، وزاداً من تاريخ فرنسا الحافل بأعلام الحرية وبالثورات التحررية. وكان من أبرز ما عرف عن تأثره بالأدب الفرنسى التزامه المدرسة الرومانسية فى الأدب التى تميز بها شعره فى المراحل الأولى من تطوره.
وصل خليل مطران إلى الإسكندرية أولاً. وصادف وصوله إليها وفاة مؤسس جريدة «الأهرام»، اللبنانى الأصل، سليم تقلا. فألقى قصيدة فى رثائه. وفور انتهاء مراسيم الدفن والتأبين للراحل أقبل بشارة، شقيق سليم تقلا، على مطران معانقاً إياه، شاكراً له مشاركته فى التأبين، مقترحاً عليه الإنضمام إلى أسرة تحرير الجريدة.
شارك مطران فى تحرير «الأهرام» إلى أن انتقلت فى عام 1899 من الإسكندرية إلى القاهرة. فاقترح عليه بشارة تقلا أن يرأس تحريرها. لكنه لم يبق فى الموقع سوى عام واحد. فأنشأ مجلة خاصة به هى مجلة «المجلة المصرية». وقد ساعدته المجلة على توثيق علاقاته بأدباء مصر. وكان من أبرز من تعرف إليهم وأقام معهم علاقة زمالة شعرية كل من أمير الشعراء أحمد شوقى وشاعر النيل حافظ ابراهيم ومحمود سامى البارودى رفيق أحمد عرابى فى الثورة. وكان قد نشر لهؤلاء الشعراء الكبار بعض قصائدهم فى المجلة.
لكن خليل مطران أوقف المجلة بعد عامين من صدورها فى عام 1902. وأصدر فى العام ذاته جريدة يومية بالإشتراك مع صديقه الصحافى اللبنانى يوسف الخازن، باسم «الجوائب المصرية». لكنها لم تعش طويلاً، بسبب كلفتها العالية. وبإقفال المجلة والجريدة غادر مطران العمل الصحفى وانطلق يعبر عن ذاته وعن ثورته بالشعر. وإذ أدرك أن الشعر لا يساعده على العيش مارس التجارة. ففتح دكاناً صغيراً. ولم يسعفه هذا العمل التجارى البسيط على كسب عيشه، ولا رآه ملائماً لشخصيته. فترك التجارة، وبدأ يدرس الإقتصاد. وأرفق ذلك بترجمة موسوعة “التاريخ العالمي”. فأصدر الجزء الثانى منه فى عام 1905، بعد أن كان قد أصدر الجزء الأول منه فى عام 1897. لكنه لم يوقف مغامراته بحثاً عن المال. فاشتغل فى البورصة وفى مضارباتها. وقادته تلك المغامرة إلى خسارة كل ما كان قد وفره من مال. وكانت نهاية تلك المغامرة فى عام 1912. إلا أن تلك الكارثة، التى زادت من تشاؤمه ومن انطوائيته، سرعان ما فاجأته بحدث سار، تمثل بمنحه «الوسام المجيدى الثالث» من قبل الخديوى عباس حلمي، وإطلاق لقب «شاعر القطرين» عليه، مرفقاً بأمر خديويّ بإقامة حفل تكريمى له فى الجامعة المصرية. وشارك فى حفل التكريم كبار أدباء العالم العربي. تمثل فيه لبنان بالشاعر شبلى الملاط. وأرسل جبران خليل جبران رسالة تلتها بالنيابة عنه الأديبة مى زيادة، مع مقدمة عرّفت بها جمهور الأدباء إلى شخصيتها. لكن تكريم الخديوى لم يكن معنوياً وحسب. بل هو استكمل بتعيين مطران أميناً مساعداً للجمعية الزراعية الملكية. وهو المنصب الذى استمر فيه طوال حياته.
ثم صار خليل مطران شاعراً عربياً كبيراً. صار أولاً شاعر القطرين، كما أسلفنا. لكنه سرعان ما قفز فى الإرتقاء ليحمل لقب شاعر الأقطار العربية.
(Visited 5 times, 1 visits today)