مواجهة العولمة

ومع انعقاد مؤتمر الدار البيضاء الاقتصادي في 2 كانون الثاني 1994, لدول الشرق الأوسط, خرج الحديث عن النظام الاقتصادي الشرق أوسطي والسوق الشرق أوسطية من الدوائر الضيقة لمراكز الأبحاث ومراكز صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل, ليجري الترويج له على نطاق أوسع على الصعيدين الفكري والسياسي والتطبيقي, بهدف تسويق تلك المفاهيم والمخطّطات الستراتيجية الجديدة بمشاريع مشتركة.

وقد جاءت الوثيقة الاسرائيلية إلى المؤتمر حاملة (120) مشروعاً, لتشكّل أسس توجّهات الدولة العبرية في التعامل مع الدول العربية في المرحلة المقبلة (12).

ويحقّق مشروع الشرق أوسطية المصالح الاقتصادية والستراتيجية للولايات المتحدة, ويثبت السيطرة الاسرائيلية في المنطقة العربية. فهذا المشروع يعني بوضوح الالغاء العملي لفكرة التكامل العربي لأنّ إسرائيل ستصبح العضو الرئيسي فيها, وهي الأكثر تقدّماً صناعياً وتكنولوجياً من البلدان العربية جميعها, وبالتالي سوف تحصد مزايا هذا التقدّم الاقتصادية والستراتيجية (13).

أمّا مشروع المتوسّطية فقد ظهر كفكرة في أوروبا الغربية, وهو يصوّر حالة تعاون للدول الواقعة على البحر الأبيض المتوسّط, شماله وجنوبه, وهي فكرة وفقاً للرأي الأوروبي, تجمع الحضارات حول الدائرة المتوسّطية.

وميزة هذه الفكرة من وجهة نظر دعاتها أنها تصرف النظر عن خصوصيّة القومية العربية وتلفتها إلى اتجاه آخر, يستطيع أن يدور حول شواطىء الحضارات القديمة وهي تضمّ سوريا ولبنان وليبيا ومصر وتونس والجزائر والمغرب وإسرائيل وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا.

وتتحقّق للولايات المتحدة من المتوسّطية عدّة أهداف أهمّها:

1- ­ إدخال إسرائيل (بلا حساسية) وسط المحيط الذي تعيش فيه, وتندمج مطمئنة إلى هوية نصف شرق أوسطية ونصف أوروبية متوسطية.

2- ­ ان مثل هذا الترتيب يساعد على ضبط التفاعلات في شرق البحر الأبيض المتوسّط وجنوبه, فهو قادر على أن يستبعد الأزمات ويستوعب الصدمات.

أمّا أوروبا وخصوصاً فرنسا وألمانيا فأهدافها من المتوسّطية هي الرغبة في إضعاف وجود ودور الولايات المتحدة الأميركية في الدول المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط, وفي إبقائها بمنأى عن آثارها الاقتصادية والثقافية والعسكرية وبالتالي السياسية.

أمّا مخاطر منظّمة التجارة الدولية على العالم العربي فهي:

1- ­ ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية والمواد الغذائية وذلك بسبب إلغاء الدعم الزراعي وتحديد التجارة في المنتجات الزراعية.

2- ­ إنحسار المزايا الخاصّة التي تتمتّع بها بعض سلع الصادرات العربية في النفاذ إلى الأسواق المتقدّمة صناعياً.

3- ­ الارتفاع في تكلفة برامج التنمية حيث سترتفع تكلفة استيراد الثقافة والحقوق المادية التي ستترتّب جرائها لصاحب حق الملكية الفكرية عند استخدامها.

4- ­ الآثار التي ستنتج من المنافسة غير المتكافئة بين الدول العربية والدول الصناعية وخصوصاً في مجال الخدمات والصناعات المتقدّمة.

5- ­ إلغاء نظام الحصص في مجال الأنسجة والملبوسات ممّا يؤثّر سلباً على صادرات البلدان العربية (14).

4- ­ تحدّي العولمة والخيارات العربية الموجودة

يتمثّل التحدّي الأساسي الذي يواجه العالم في كيفية تحويل العولمة إلى قوّة إيجابية يستفيد منها العالم بدلاً من ترك مليارات البشر يعانون نتائجها السلبية (15).

ويرى المحلّلون السياسيون والاقتصاديون أن للعولمة أثاراً إيجابية إذ أن هناك مشكلات إنسانية مشتركة لا يمكن حلّها من منظور السيادة الوطنية المطلقة للدولة التي يقوم عليها النظام الدولي القائم حالياً, ومنها انتشار أسلحة الدمار الشامل والتهديدات النووية والبيئية وتطوّر انتشار الأوبئة والأمراض المعدية وانتشار الجريمة المنظّمة والمخدّرات. ويرى بعضهم أنه بإمكان الأنظمة الوطنية المبدعة أن تندمج في الاقتصاد العالمي من دون التضحية بشخصيّتها (16).

ان التجاوب مع متطلّبات العولمة بالنسبة للعالم العربي أمر يواجه الكثير من الصعوبات, لكنه ضرورة بسبب ما يواجه العرب من مشكلات اقتصادية تقتضي المعالجة, إذ يعاني العالم العربي من هبوط في نسبة النمو وفشل في إيجاد المهارات اللازمة لأسواق اليوم, وارتفاع نسبة النمو السكاني. ويتطلّب التكيف مع العولمة أيضاً إيجاد نظام وطني للعلم والتكنولوجيا والمعلوماتية لأنه الأداة الحاسمة لتمكين أي بلد من أن يصبح منتجاً اقتصادياً, وبالتالي متقدّماً.

أمّا وجهة النظر الثانية فترى أن العالم العربي, بوصفه من الدول النامية ويخضع لضغوطات إقتصادية داخلية وخارجية كبرى, لا يمكنه التجاوب مع العولمة التي تتطلّب مستويات فائقة من التطوّر والكفاءة والقدرة, الأمر الذي تفتقده الاقتصادات العربية, وبذلك قد تزيد العولمة من اختراق هذه الاقتصادات وتفكيكها.

فالاستجابة للعولمة إذن ليست بهذه الدرجة من البساطة لأن ذلك قد يزيد من حصار وعزلة الأقطار العربية التي تعاني من جملة مشكلات تتعلّق بالسياسة وبالاقتصاد من كلّ جوانبه الزراعية والصناعية والتجارية. وعلى النقيض من ذلك فإنّ عدم الاستجابة للعولمة قد يترك جملة من الآثار السلبية على العالم العربي منها تهميش التنمية المتطوّرة وعدم الحصول على المساعدات الاقتصادية. إضافة إلى ذلك فقد أصبح من غير الممكن التعويل على الموارد النفطية في كسب رهان المستقبل, بسبب التناقص في قيمة الموارد الأولية ولا سيما النفط (17).

ولكن من إيجابيات رفض الاستجابة للعولمة هو أن الرفض ربما يكون حافزاً أكبر لتشجيع الأقطار العربية على القيام بتحوّلات اقتصادية جذرية والعمل على تفعيل العمل العربي المشترك (18).

من هنا, وبعد أن أصبحت العولمة, وبأهمّ أشكالها الاقتصادية والمالية والعسكرية, قد أصبحت كأمر واقع, أرى أن على الدولة التعامل معها على هذا الأساس, وولوج مرحلة دراسة الخيارات المتوفّرة وذلك من أجل التخفيف من آثارها والسلبية, والتحضير للدخول في آليات العولمة وما تحمل من تدابير غير جماهرية وغير شعبية, وربّما تلحق أشدّ الضرر بالفقراء وبالطبقة الوسطى وحتى بالدول الفقيرة والمتوسّطة.

ولكن ليس هناك من خيار آخر؛ فالانعزال والتقوقع لبعض الدول التي ترفض الدخول في العولمة, لا يعني أنها تستطيع العيش وحيدة في العالم, كما أنها لا تستطيع التعامل مع الدول (المعولمة) ولا تستطيع تلك الدول التعامل معها, فستجد تلك الدول المنعزلة نفسها عاجلاً أم آجلاً في موقف المسافر الذي فاته القطار, ولا ينفع الندم بعد ذلك.

من هنا فالأجدى لنا كعرب أن نكون مع العولمة ولكن بشرط <<العَوْرَبة>> أوّلاً, أي الدخول فوراً في آليات العوربة والتحضير في ذات الوقت للدخول في آليات العولمة. وهذا يعني الدخول في العولمة من بوابة العوربة. وينبغي للعوربة أن تكون رؤية عربية مشتركة للمستقبل, وصوغ آليات محدّدة في كلّ من الاقتصاد والمال والسياسة والتجارة, للوصول إلى درجة كافية من التكامل العربي, تستطيع من خلاله الدول العربية مجتمعة, الكلام بلغة مصلحية واحدة, والقراءة في كتاب التنمية العربية بلغة واضحة وجيّدة, والعمل على محاكاة الأسواق والتكتلات الاقتصادية والمالية الأخرى بلغة تفاوضية عربية واحدة.

لا شك أنه وأمام هذا التحدّي علينا أن نرجع إلى ما اتفقنا عليه في الماضي كعرب وما صدّقت عليه الدول العربية من مواثيق واتفاقيات في المجال الاقتصادي, وصولاً إلى تكامل اقتصادي عربي, وفي مقدّمته اتفاقية السوق العربية المشتركة؛ فالشروع في تنفيذ هذه الاتفاقية هو أمر مُلحّ ويكاد يكون ملزماً ولا مفرّ منه لمن وقّع عليها, لكي تتبوّأ هذه الأمّة المكانة اللائقة بها كأمّة يبلغ تعدادها أكثر من 260 مليون نسمة, وخصوصاً في ظل المتغيّرات الدولية المعاصرة وأهمّها العولمة وقيام منظّمة التجارة الدولية.

فالدول العربية تملك مقوّمات جغرافية وتاريخية وثقافية وفكرية ومالية لإقامة السوق العربية المشتركة, أكبر من تلك التي تمتلكها التكتلات الاقتصادية الأخرى, ومنها دول الاتحاد الأوروبي, وأهميّة السوق العربية المشتركة تستند إلى حقائق مهمّة وهي:

1- ­ الهويّة العربية والإنتماء العربي لأنّنا نشكّل أمّة عربية واحدة.

2- ­ ضرورة دعم الأمن العربي بغض النظر عن فائدة بعض الأقطار أكثر من غيرها من هذه السوق.

3- ­ المصلحة الاقتصادية المشتركة لأنّ تعزيز الأمن الاقتصادي العربي هو تعزيز للأمن العربي.

ومن المنافع الاقتصادية للسوق تدعيم الاستقلالية العربية وذلك بإقامة صناعات ثقيلة والتخفيف من حدّة التبعية للخارج وتحقيق درجة أفضل من استقلالية القرار العربي, ثمّ دعم المركز التفاوضي العربي في الاقتصاد الدولي الراهن والمؤلّف من التكتلات الاقتصادية الكبرى وتحسين مركزنا التفاوضي تجاه منظّمة التجارة الدولية(19).

أمّا مزايا التكامل الاقتصادي العربي في تنمية الاقتصاد الوطني فهي:

أ- ­ خلق التجارة للدولة العضو في التجمّع الاقتصادي, وذلك بتحوّل التجارة من الدول خارج التجمّع إلى تلك الأعضاء فيه.

ب- ­ اقتصاديات الحجم من خلال الدخول في ذلك التجمّع, ومن خلال فتح الأسواق في الدول الأعضاء على بعضها بعضاً, فتصبح الصناعات التي لا جدوى منها في السوق الوطنية, مشاريع ذات جدوى اقتصادية بحكم سعة السوق وكبر حجمه الجغرافي, نظير انفتاح الدول الأعضاء وأسواقها, في عالم عربي بلغ عدد سكانه أكثر من 260 مليون نسمة.

ج- ­ نمو الدخل القومي نتيجة لحرية انتقال رؤوس الأموال والأيدي العاملة الوطنية إلى الدول الأعضاء.

د- ­ زيادة القوّة التفاوضية للدول الأعضاء تجاه الدول الأخرى والأسواق الاقتصادية الأخرى, ممّا يعني فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الوطنية للدول الأعضاء.

هـ- ­ ارتفاع الكفاءة الانتاجية للصناعات الوطنية وذلك من خلال المنافسة وفتح الأسواق المحلية للدول الأعضاء.

من هنا وبفضل تلك الشروط تستطيع الدول العربية مجتمعة الاستفادة من المزايا الإيجابية للانضمام إلى العولمة عبر بوّابة منظّمة التجارة الدولية.

أمّا الآثار الإيجابية للانضمام فهي:

1- ­ تتيح فرصاً أوسع للدول العربية لتصدير منتجاتها التي تملك مزايا نسبية.

2- ­ تحمي الضوابط التي أقرّت في نطاق المنظّمة من سياسات الإغراق من جانب الدول الأخرى.

3- ­ تكفل للدول العربية وللدول النامية معاملة تفضيلية مؤقّتة لغاية عام 2005, وذلك لحماية صناعاتها الوليدة, واعطائها مدّة خمس سنوات لتطبيق بنود اتفاقية

الـ(TRIPS).

4- ­ زيادة الاستثمارات الأجنبية عبر دخولها الدول العربية عند تطبيق اتفاق الخدمات والاستثمار, ممّا سيؤدّي إلى تدفّق الاستثمارات الأجنبية بعد رفع القيود التي تحول دون ذلك.

5- ­ رفع الكفاءة الإنتاجية عبر المنافسة العالمية في الأسواق (20).

إن انضمام الدول العربية إلى منظّمة التجارة الدولية, وهي إحدى مظاهر العولمة, لا يعني بأيّ حال نهاية المطاف للمفاوضات التجارية العالمية, بل ستتبعها دورات متعدّدة للتفاوض لفتح أسواق مختلفة مثل التجارة في الخدمات والبنوك والتأمين والصرافة والوساطة. وكلّ هذه الأمور بحاجة إلى مزيد من المفاوضات والاجتماعات. والدول العربية ستكون في موقع تفاوضي أفضل وأقوى في حالة دخولها في مفاوضات جماعية كتكتّل اقتصادي مشترك على شاكلة دول الاتحاد الأوروبي وال(NAFTA) .

——————————————————————————

 

(Visited 13 times, 1 visits today)