في المواجهة

قمة الـ 15 طليعة في مواجهة العولمة

مغاوري شلبي

نقلا عن موقع: http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1177156158042&pagename=Zone-Arabic-Namah%2FNMALayout

 

ــــ

مستقبل المجموعة بعد القمة

من تتبع اتجاهات العمل بين دول مجموعة الـ 15 يلاحظ أن هذه المجموعة تخلت عن النهج الأيديولوجي السياسى لصالح تفعيل الجوانب العملية السياسية والاقتصادية، ومن الملاحظ أن هذا الاتجاه لا يؤدي إلى تضييق الفجوة بينها وبين دول الشمال، وإنما في أحسن الأحوال قد يَحِدّ من اتساعها في المستقبل؛ وذلك بشرط أن تتبنى هذه الدول اتجاهاً للحصول على التكنولوجيا المتقدمة وتطويعها لتناسب ظروفها واستقطاب رأس المال الأجنبي المباشر، وزيادة معدلات التجارة البينية للدول الأعضاء، وبالتالى فإن مستقبل مجموعة الـ 15 في ظل المتغيرات الدولية يتوقف على عدة عوامل هي :

ـ قيام دول المجموعة بتبني عملية إنشاء مؤسسات وآليات للحوار المستمر والتشاور بينها وبين دول الشمال المتقدمة، وذلك في إطار علاقات دول المجموعة مع مجموعة الدول الثمانية الصناعية الكبار أو في إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  ( O.E..C.D  ) .

ـ قيام دول المجموعة في إطار تعاون الجنوب  – الجنوب باتباع سياسات قومية لنقل وتوطين التكنولوجيا المتقدمة وتنمية قدراتها الذاتية وزيادة معدلات نموها والاهتمام بجانب التنمية البشرية وعلاج مشكلات الفقر والبطالة، وعدم التركيز على دور المعونات الدولية في دعم اقتصادياتها؛ لأن الأمل في ذلك محدود بل وفي تراجع مستمر.

ـ تبنِّي المؤسسات الدولية وخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية؛ لوضع آليات معينة تخفف من أثر العولمة على الدول النامية، وتجنبها الوقوع في أزمات وخاصة في ظل تعرض النظام العالمي الراهن بمؤسساته السابقة للانتقادات الشديدة من دول الجنوب.

وخلاصة القول، إن المستقبل الاقتصادي للدول النامية بصفة عامة – ودول مجموعة الـ 15 بصفة خاصة – لن ينهض على مجرد انتقادات الدول الأعضاء للنظام العالمي ونظام التجارة متعدد الأطراف، ولن يتم القضاء على الفقر في الدول النامية بِصَبِّ اللعنات على سلوك رأس المال العالمي، ولكن يجب أن تركز الدول النامية وهي تسعى إلى جعل العولمة أكثر عدالة على أن يكون لديها رؤيتها الخاصة وخططها وإستراتيجيتها الاقتصادية الخاصة التي تنبع من واقع احتياجاتها لكي تبني اقتصادياتها ذاتيًّا، وفي نفس الوقت لا تنعزل عن النظام العالمي، وذلك بالاستفادة من مزايا هذا النظام وتعديل أوضاعها بما يزيد من فائدتها من المتغيرات الاقتصادية الدولية، ويتيح لها أن تحافظ على قدراتها ومواردها الاقتصادية ويحافظ لها على هويتها الثقافية، ويمكنها من أن تستفيد من قدراتها النسبية والتنافسية؛ وذلك لأن الاكتفاء بالاعتراض على النظام العالمى وآثار العولمة فقط يحول مؤتمرات مجموعة الـ 15 وغيرها من مؤتمرات الجنوب إلى مجرد “مكالمة” لرؤساء وممثلي شعوب هذه الدول، ومن المؤكد أن هذا لن يطعم الشعوب الجائعة، ولن ينتشل الفقراء من فقرهم.

ـــــ

تعتبر مجموعة الـ 15 نفسها طليعة الدول النامية في مواجهة العولمة وهيمنة الدول الكبرى على مُقَدَّرات الاقتصاد العالمي، باعتبارها تضم تشكيلة من الدول متنوعة اقتصاديًّا وجغرافيًّا، وفي الوقت الذي شهدت فيه القاهرة القمة العاشرة لتلك المجموعة، فإن السؤال المطروح هو: هل نجحت القمة في تجسيد هذا المعنى أم أنها لم تتجاوز مرحلة الشعارات بعد ؟!

لقد استدعت العولمة الاقتصادية ضرورة تشكيل تكتلات إقليمية وقومية تُمَكِّن دول العالم الثالث من الإفلات من عملية التهميش وزيادة قدراتها التفاوضية، وتضمن أن يكون لها مساهمة فعَّالة في المؤسسات العالمية وفي صنع القرارات الدولية، ومن هذا المنطلق كان قيام مجموعة الـ 15 التي عقدت قمتها العاشرة في القاهرة خلال الفترة من (19 – 20 يونيو 2000م)، ويأتي انعقاد هذه القمة في توقيت بالغ الأهمية خاصة مع بداية الألفية الثالثة، وما تشهده الساحة من تطورات سياسية واقتصادية وثقافية ومع تسارع خطى العولمة، وهي تطورات لا شك تُلْقِي بظلالها على الدول النامية، ومنها دول مجموعة الـ 15 التى تضم دولاً من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وينظر المراقبون إلى القمم التي تعقدها مجموعة الـ 15 بأهمية بالغة؛ لأنها تتيح الفرصة لإجراء المشاورات واتخاذ موقف عام لدول الجنوب في مواجهة التحديات الاقتصادية الدولية، كما يرون أن نتائج قمة القاهرة لمجموعة الـ 15 تعتبر بمثابة رسالة موجهة من دول الجنوب إلى مجموعة الدول الثمانية الصناعية الكبرى التي ستبدأ اجتماعاتها في اليابان في يوليو 2000م.

مساندة الشركاء الثلاثة للتنمية

لقد كان لمجموعة الـ 15 خلال عام 1999م وخلال النصف الأول من عام 2000م نشاط واسع في مجال تدعيم التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وفي مجال صياغة موقف مُوَحَّد من النظام الاقتصادي العالمي الراهن، فقد عقد خلال هذه الفترة اجتماعًا موسعاً للخبراء في الدول الأعضاء لمناقشة الأزمات المالية الدولية وأسبابها وكيفية التغلب عليها وكيفية إصلاح النظام المالى الدولي، حيث يرى خبراء مجموعة الـ 15 أن هناك أهمية لإصلاح النظام المالي الدولي، ووضع نظام للإنذار المبكر للتنبؤ بالأزمات المالية الدولية؛ لأن الدول النامية تكون في الغالب أكثر المتضررين من هذه الأزمات، أيضًا شهدت هذه الفترة خطوات جادة بين الدول الأعضاء لتفعيل علاقاتها الاقتصادية، حيث تَمَّ التوصل إلى عدد من الاتفاقيات بين الدول الأعضاء في مجال منع الازدواج الضريبي وحماية الاستثمارات المشتركة، وعلى صعيد عمل اتحاد غرف التجارة والصناعة لمجموعة الـ 15 تَمَّ صياغة رؤية مشتركة؛ لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول الأعضاء، واعتبار عام 2000م عاماً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول الأعضاء، كما تم صياغة رؤية مشتركة من قضايا النظام التجاري الدولي متعدد الأطراف ومشكلات الديون والفقر طرحت على قمة القاهرة وانعكست هذه الرؤية إلى حَدٍّ كبير في البيان الختامي للقمة، أيضاً واصلت مجموعة الـ 15 نشاطها على صعيد منظمة العمل الدولية، حيث ركزت على تكريس البُعْد الاجتماعي في مختلف الموضوعات المطروحة على أجندة منظمة العمل الدولية، وقامت المجموعة بإعداد ورقة تحمل مبادرة إستراتيجية شاملة للتشغيل في إطار منظمة العمل الدولية، والملاحظ أن هذه الورقة ركزت – بصفة خاصة – على إبعاد قضايا العمل عن مناقشات منظمة التجارة العالمية ومنع استخدام معايير العمل كمعوقات لحرية التجارة، وفي هذا المجال نجحت المجموعة في كسب مساندة الشركاء الثلاثة لعملية التنمية وقضايا العمل، وهي الحكومات والعمال وأصحاب الأعمال الذين أَيَّدوا مبادرة المجموعة في إطار عمل منظمة الانكتاد والمجلسَيْن الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز وقمة الجنوب التى عقدت في هافانا في إبريل 2000م.

العدالة بين الدول لمواجهة الفقر

وبعد يومين من المشاورات والمناقشات والجلسات المغلقة بين رؤساء الدول الأعضاء صدر البيان الختامي لقمة القاهرة، وقد عكست عناصر هذا البيان موقف الدول الأعضاء من عملية العولمة ومن النظام التجاري متعدد الأطراف، وقد صدر هذا البيان في صورة رسالة موجهة إلى الدول المتقدمة وخاصة الدول الصناعية الكبرى، ويعتبر أهم ما جاء في البيان ما يلي :

ـ التأكيد على ضرورة العمل على إقامة اقتصاد دولي يرتكز على الديموقراطية والعدالة بين الدول، وقيام هيكل دولي جديد يتمكن من مواجهة تحديات الفقر والبطالة والآثار السلبية للعولمة على اقتصاديات الدول النامية.

ـ مطالبة النظام التجاري متعدد الأطراف بأن يأخذ في اعتباره أبعاد عملية التنمية في الدول النامية وأن تساعد الدول المتقدمة الدول النامية على الاندماج في الاقتصاد العالمي، وأن يعمل هذا النظام العالمي بشكل أكثر انفتاحًا وعدالة وعلى أسس موضوعية تتجنب التفرقة بين الدول؛ وذلك لتستفيد من عملية التحرير الاقتصادي كل من الدول النامية والدول المتقدمة على السواء.

ـ العمل على تنفيذ التزامات الدول النامية تجاه منظمة التجارة العالمية بالشكل الذى يتوافق مع أهداف تحرير التجارة، وأن تأخذ المفاوضات المقبلة حول التجارة العالمية في الاعتبار جانب التنمية في الدول النامية حتى تضمن نجاحها.

ـ المطالبة بزيادة معونات التنمية الرسمية المقدمة للدول النامية، وأن تقوم الدول المتقدمة بتنفيذ ما طالبت به الأمم المتحدة من ضرورة تخصيص 0.7% من إجمالي الناتج المحلي لمساعدات التنمية الرسمية.

ـ التأكيد على أهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لزيادة الإنتاجية في الدول النامية ونقل التكنولوجيا.

ـ الدعوة إلى أن تضع منظمة العمل الدولية إستراتيجية تهدف إلى إيجاد فرص عمل في جميع الدول النامية، وأن تدرس أثر الأزمات المالية على برامج خفض معدلات الفقر في الدول النامية.

ـ مطالبة صندوق النقد الدولي بالعمل بفاعلية لمصلحة جميع الدول، وخاصة التي تأثرت بالأزمات المالية، وأن يكون هناك تمثيل عادل للدول النامية في اتخاذ القرارات في النظام الدولي وفي المؤسسات الدولية متعدد الأطراف.

ـ المطالبة بالإسراع في إلغاء الديون المستحقة على الدول النامية.

والملاحظ على البيان الختامي للقمة العاشرة لمجموعة الـ 15 أن أغلبه جاء مكرراً لمطالبات سبق لدول المجموعة أن طالبت بها في مناسبات واجتماعات أخرى، وأنه جاء مرسلاً دون تحديد آليات لتحقيق هذه المطالب أو دون أن يحدد الموقف الذى سوف تتخذه المجموعة إذا لم يتم الاستجابة لهذه المطالب، وهو ما يجعل البيان الختامي لقمة مجموعة الـ 15 أشبه بتوصيات صادرة عن أحد المؤتمرات الأكاديمية الصاخبة، وأنه أقرب من أن يكون تظاهرة سياسية، كما يلاحظ أنه بالقدر الذى ركز فيه البيان الختامي على انتقاد النظام العالمي والعولمة، كانت المساحة المخصصة لعملية التعاون بين الدول محدودة، حيث اكتفى البيان بالإشارة إلى ضرورة تعزيز التعاون بين دول المجموعة وتنشيط الاستثمارات والتجارة، ودعم المشروعات الصغيرة والقطاع الخاص بين دولها وتنسيق مواقفها من خلال مجموعة الـ 77 ومجموعة الـ 24، وهو ما يعني أن المجموعة في بيانها الختامي قد ركزت على المناخ العالمي الاقتصادي المحيط بها، وأهملت إلى حد كبير أن هناك أمراً أكثر أهمية وأولى باهتمامها وهو إعادة ترتيب بيتها من الداخل.

انتقادات حادة للعولمة

تَعَرَّض النظام الاقتصادي العالمي لهجوم عنيف من جانب قمة مجموعة الـ 15 في القاهرة، وقد جاءت هذه الانتقادات خلال الكلمات التى ألقاها رؤساء مجموعات الدول: المجموعة الأفريقية، والمجموعة الآسيوية، ومجموعة أمريكا اللاتينية. وقد تركزت هذه الانتقادات حول النقاط التالية:

ـ افتقار النظام الاقتصادي العالمي لوجود آلية دولية تكفل حماية الدول الفقيرة خلال الأزمات المالية، حيث أثبتت أزمة جنوب شرق آسيا عدم وجود تكامل بين عناصر الاقتصاد العالمي لمكافحة الفقر وحماية محدودي الدخل في مثل هذه الأزمات.

ـ تعرُّض الدول النامية لضغوط بسبب محاولات الدول المتقدمة فرض أجندة من الأولويات تراعي مصالحها الاقتصادية، في نفس الوقت الذي إذا تحدثت فيه الدول النامية عن حقوق الملكية الفكرية وحقها في حماية مواردها لا تجد اعترافاً أو قبولاً من الدول المتقدمة.

ـ تأثر عمليات التنمية الاقتصادية في الدول النامية بعملية العولمة، حيث أدت إلى تراجع التمويل الدولي المقدم للتنمية الاقتصادية في الدول النامية إلى الخُمْس منذ عام 1992م، وهو ما أدى إلى زيادة أعداد البطالة في دول الجنوب؛ حيث وصلت إلى حوالي مليار عاطل في الدول النامية بما فيها دول مجموعة الـ 15.

ـ تعرضت صادرات العالم الثالث لمعوقات لا علاقة لها بالتجارة عند دخولها أسواق الدول المتقدمة، مثل معايير العمل ومعايير الصحة والسلامة، وكذلك تعرُّض أسعار هذه الصادرات للتدهور؛ حيث إن أسعارها الحالية لا تعكس أسعارها الحقيقية طوال العقدين الماضيين.

ـ سماح العولمة بتفضيل بعض الدول وتهميش الضعفاء والتذرع بالعولمة لاستخدام النفوذ وفرض الهيمنة واستخدام القوة والعقوبات الاقتصادية، وكذلك حجب التكنولوجيا عن الدول الساعية إلى النمو، وهو ما يزيد من حدة الصراع بين الشمال والجنوب، ويزيد الفجوة الاقتصادية بين الطرفين.

ـ تزايد الخلل في توازن الاقتصاد العالمي واستمرار عدم الاستقرار في أسواق المال الدولية، وهو ما يدعو للقلق من نمط العلاقات الاقتصادية الدولية السائد حالياً الذي أدى إلى تناقص معدلات النمو في الدول النامية من 6% إلى 2% في المتوسط.

 

(Visited 9 times, 1 visits today)